بقلم حنين شودب، وهي كاتبة محتوى ومعلمة لغة عربية ومدققة لغوية بخبرة سبع سنوات.
مهارة اتخاذ القرار عند الأطفال هي قدرة تساعدهم على التفكير في الخيارات المتاحة، وفهم نتائجها واختيار الأنسب بما يتناسب مع أعمارهم وقدراتهم، وتنمو هذه المهارة تدريجيًا من خلال المواقف اليومية والحوار، ومنح الطفل فرصًا آمنة للاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم من الأخطاء
تبدأ سلسلة طويلة من الاختيارات الصغيرة التي تبدو للوالدين بسيطة منذ السنوات الأولى في حياة الطفل، لكنها تمثل في الحقيقة تدريبات مبكرة على الاستقلال والتفكير وتحمل المسؤولية، فاختيار اللعبة التي يريدها، وتحديد القصة التي يرغب في سماعها قبل النوم، وتقرير الملابس التي يفضل ارتداءها، ثم لاحقًا اختيار نشاطه المفضل أو تنظيم وقته الدراسي؛ كلها مواقف يومية يمكن أن تتحول إلى فرص حقيقية لتنمية مهارة اتخاذ القرار عند الأطفال.
في هذا المقال، سنتعرف على مفهوم اتخاذ القرارات وأهم مهارات اتخاذ القرار التي يحتاجها الأطفال، ودور الأسرة في بنائها منذ السنوات الأولى، إلى جانب مجموعة من الخطوات العملية التي يمكن تطبيقها في المنزل مع الأطفال في أعمار مختلفة.
ما هو مفهوم اتخاذ القرارات؟
يمكن تعريف مهارة اتخاذ القرار بأنها قدرة الطفل على النظر في موقف أو مشكلة وفهم الخيارات المتاحة أمامه، ثم اختيار أحدها بناءً على ما يعرفه ويفكر فيه ويتوقعه من نتائج، وبالنسبة إلى الأطفال لا ينبغي النظر إلى القرار باعتباره عملية عقلية معقدة فقط إنَّما باعتباره مهارة تنمو من خلال الممارسة والمواقف اليومية.
فالطفل الذي يفكر في اختيار كتاب من بين كتابين أو يقرر ترتيب ألعابه قبل تناول الطعام، ويتعلم بصورة مبسطة أن أمامه أكثر من احتمال، وأن عليه أن يختار أحدها، ومع مرور الوقت يمكن نقل هذه المهارة إلى مواقف أكثر تعقيدًا، مثل تنظيم وقت المذاكرة واختيار الأنشطة، والتعامل مع الخلافات مع الأصدقاء، أو التفكير في عواقب بعض التصرفات.
وترتبط عملية اتخاذ القرار بمجموعة من مهارات التفكير والتنظيم الذاتي، فحتى يتمكن الطفل من اتخاذ قرار جيد، يحتاج إلى أن يفهم المعلومات المتاحة، وأن ينتبه إلى التفاصيل، وأن يسيطر على رغبته في التصرف بشكل فوري، وأن يكون قادرًا على تغيير خطته عندما تتغير الظروف.
ويشير مركز جامعة هارفارد لتطوير الطفل إلى أن الوظائف التنفيذية تشمل الذاكرة العاملة، والتحكم في الاندفاع والمرونة المعرفية، وهي قدرات تساعد الطفل على التعامل مع المعلومات والتخطيط والاستجابة للمواقف المختلفة.
لذلك فإن تعريف مهارة اتخاذ القرار لا يقتصر على سؤال الطفل: ماذا تختار؟، وإنما يشمل أيضًا تعليمه كيف يفكر قبل الاختيار.
ما هي مهارات اتخاذ القرار لأطفال؟
مهارات اتخاذ القرار هي مجموعة من القدرات التي تساعد الطفل على التفكير في الخيارات المتاحة أمامه وتقييمها ثم اختيار الحل أو التصرف الأنسب للموقف، ولا تقتصر هذه المهارة على الاختيار فقط إنّما تعتمد على مجموعة من القدرات التي تتطور تدريجيًا مع نمو الطفل وخبراته اليومية، ومن أبرز مهارات اتخاذ القرار التي يمكن تنميتها لدى الأطفال:
- حل المشكلات: تساعد الطفل على فهم المشكلة وتحديد أسبابها والتفكير في أكثر من حل ممكن قبل اختيار الحل الأنسب.
- التنظيم وترتيب الأولويات: يتعلم الطفل من خلالها تحديد ما يحتاج إلى إنجازه أولًا، وتنظيم خطواته للوصول إلى النتيجة المطلوبة.
- التفكير المنطقي: يساعد الطفل على مقارنة الخيارات المتاحة والتفكير في إيجابيات كل خيار ونتائجه المحتملة قبل اتخاذ القرار.
- الذكاء العاطفي: يمكّن الطفل من فهم مشاعره والتعامل معها، إلى جانب إدراك مشاعر الآخرين، وهو ما يساعده على اتخاذ قرارات أكثر توازنًا في المواقف الاجتماعية.
- الإبداع: يشجع الطفل على التفكير في حلول مختلفة وغير تقليدية عندما يواجه مشكلة أو موقفًا يحتاج إلى الاختيار.
- التواصل والتعبير عن الرأي: قدرة الطفل على شرح ما يريده وتوضيح أسباب اختياره تساعده على المشاركة في القرارات وفهم وجهات النظر المختلفة.
دور الأسرة في تنمية مهارة اتخاذ القرار للأطفال منذ السنوات الأولى
تبدأ تنمية مهارة اتخاذ القرار داخل الأسرة، فهي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل التعبير عن رأيه والاختيار وتحمل النتائج؛ لذلك يساعد منح الطفل فرصًا مناسبة لعمره على بناء استقلاليته وثقته بنفسه:
- من سنة إلى 3 سنوات: يمكن تقديم خيارين بسيطين للطفل مثل اختيار نوع الفاكهة أو القصة، وتشجيعه على القيام بمهام بسيطة بنفسه كترتيب ألعابه.
- من 3 إلى 5 سنوات: يمكن توسيع مساحة الاختيار بإشراك الطفل في اختيار الأنشطة والقصص، ومنحه مسؤوليات منزلية بسيطة تناسب عمره.
- من 6 إلى 10 سنوات: يصبح الطفل قادرًا على اتخاذ قرارات تحتاج إلى المقارنة وترتيب الأولويات، مثل تنظيم وقت الدراسة واللعب واختيار المهام التي يبدأ بها.
- من 11 عامًا وما بعده: يمكن الانتقال إلى الحوار ومناقشة الخيارات ونتائجها، مع منح الطفل مساحة أكبر للاستقلال واتخاذ القرار، مع استمرار توجيه الوالدين ووضع الحدود المرتبطة بسلامته وصحته.
خطوات لتعليم أولادك اتخاذ القرارات والاستقلالية
يساعد إشراك الطفل في بعض المسؤوليات اليومية على بناء ثقته بنفسه وتعزيز قدرته على اتخاذ القرار، ويمكن للوالدين دعم هذه المهارة من خلال منحه مساحة مناسبة للتجربة والتعلم، وذلك من خلال الخطوات الآتية:
أشرك طفلك في المسؤوليات اليومية
امنح طفلك فرصًا بسيطة للمشاركة في الأمور التي تناسب عمره، مثل اختيار ملابسه أو ترتيب ألعابه، حتى يعتاد تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات.
شجعه على حل المشكلات
لا تقدم له الحل مباشرة عندما يواجه طفلك مشكلة بل اسأله عن الأفكار التي يمكن أن تساعده على تجاوزها، وشجعه على التفكير في أكثر من خيار.
امنحه مساحة للاختيار
قدم لطفلك خيارات محدودة وواضحة، ثم اترك له فرصة اختيار ما يفضله، مع توضيح النتائج المحتملة لكل اختيار بطريقة تناسب عمره.
ساعده على التعبير عن رأيه
شجع الطفل على التحدث عن أفكاره ورغباته، والاستماع إلى وجهات نظر الآخرين، فهذا يعزز ثقته بنفسه ويساعده على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
اجعل الخطأ فرصة للتعلم
من الطبيعي أن يتخذ الطفل قرارات غير موفقة، لذلك ساعده على فهم الخطأ والتفكير في طريقة أفضل للتصرف مستقبلًا، بدلًا من توبيخه أو اتخاذ القرارات نيابة عنه.
شجعه على خوض تجارب جديدة
امنح طفلك فرصًا آمنة لتجربة أنشطة ومواقف مختلفة، فالتجربة تساعده على اكتشاف قدراته، واكتساب الخبرة، وبناء الاستقلالية والثقة بالنفس.
كيف يساعدك ألف بي أطفال في تنمية مهارة اتخاذ القرار عند الأطفال؟
يمكن أن يكون تعلم اللغة العربية فرصة لتنمية مهارة اتخاذ القرار عند الأطفال، خاصة عندما يجمع بين التعلم والتفكير والتعبير عن الرأي، وهنا يأتي دور تطبيق ألف بي أطفال في تقديم محتوى تعليمي يمكن للوالدين توظيفه لتحفيز الطفل على الحوار والتفكير.
فعند قراءة قصة أو ممارسة نشاط لغوي، يمكن للوالدين طرح أسئلة مثل: ماذا كنت ستفعل لو كنت مكان الشخصية؟ ولماذا اخترت هذا الحل؟ وهل هناك خيار آخر؟
بهذه الطريقة، يتحول تعلم اللغة العربية من مجرد اكتساب كلمات ومفردات إلى فرصة لتطوير مهارات التفكير والتواصل والمقارنة والتعبير عن الرأي، وهي مهارات تدعم استقلالية الطفل وقدرته على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
ختاما
تنمية مهارة اتخاذ القرار عند الأطفال تبدأ من المواقف اليومية البسيطة، من خلال منح الطفل فرصًا مناسبة لعمره للاختيار والتجربة وتحمل النتائج، مع توفير التوجيه والدعم دون الخوف من الخطأ. ومع مرور الوقت، تساعد هذه الممارسات على بناء استقلاليته وثقته بنفسه وقدرته على التفكير بوعي.
ويمكن أن يدعم ألف بي أطفال هذه الرحلة من خلال توظيف تعلم اللغة العربية في القصص والأنشطة والحوار، بما يشجع الطفل على التعبير عن رأيه والتفكير في الخيارات المختلفة، لتصبح كل تجربة تعليمية فرصة جديدة لتنمية مهاراته.



