بقلم حنين شودب، وهي كاتبة محتوى ومعلمة لغة عربية ومدققة لغوية بخبرة سبع سنوات.
قصة النبي إبراهيم للأطفال تحكي سيرة نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي عُرف بثباته على عبادة الله وحده ومحاربته للشرك وعبادة الأصنام، و يتعرف الأطفال من خلال قصته على معاني الشجاعة والتفكير والصبر والثقة بالله في مواجهة الصعوبات.
تُعدّ قصة النبي إبراهيم للأطفال من أعظم القصص القرآنية التي تزرع في قلوب أطفالنا حب التوحيد والإيمان بالله الواحد الأحد وتعلمهم أن اليقين بالله أقوى من النار وأعظم من عروش الطغاة.
وعندما نشرح قصة النبي إبراهيم للأطفال بأسلوب مشوّق ومبسّط فإننا نساعدهم على استيعاب معنى التوحيد الخالص وأهمية التمسك بالحق مهما كانت التحديات، كما نعرّفهم بأحد أولي العزم من الرسل الذين ضربوا أروع الأمثلة في الصبر والثبات على دين الله.
سنتعرّف معًا على قصة النبي إبراهيم عليه السلام منذ ولادته في فترةٍ انتشرت فيها عبادة الأصنام، مرورًا بتحديه للأصنام وكسرها ونجاته من النار ومناظرته للملك المتكبر وهجرته إلى بلاد الشام ومصر، لنستخلص في النهاية الدروس القيمة التي تعلّمها هذه القصة لأطفالنا.
معلومات عن سيدنا إبراهيم عليه السلام
سيدنا إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء وخليل الرحمن، وُلد في بيئةٍ كانت تعبد الأصنام والكواكب والنجوم، وقد أرسله الله تعالى ليُخرج الناس من عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع إلى عبادة الله الواحد القهار.
ويُطلَق على إبراهيم عليه السلام لقب “خليل الله” وأيضًا “أبو الأنبياء” وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في تسعة وستين موضعًا، تكريمًا له ولما تحمّله من مشاقٍ في سبيل دعوته إلى التوحيد.
وُلِد إبراهيم عليه السلام في بابل في العراق في زمن الملك الطاغية نمرود بن كنعان الذي ادّعى الألوهية وأمر الناس بعبادته، وكان أبوه آزر يعمل في صناعة التماثيل التي يعبدها قومه.
نشأ إبراهيم عليه السلام يتفكر في الخلق ويقول إنه لا بد لهذا العالم من خالق، وكان ينظر إلى ما حوله من كواكب ونجوم وأصنام ويتساءل عن خالقهم بحكمة وفطنة، فبدأ رحلته في البحث عن الحقيقة.
وعندها رأى كوكبًا ظنّ أنه إله هذا الكون لكن الكوكب اختفى، ثمّ رأى القمر ظنّ أنه الإله لكنه اختفى، ولمّا رأى الشمس ظنّ أنها الإله لأنها أكبر وأعظم فلما اختفت آمن بالله الواحد الذي لا يغيب ولا يموت خالق كل شيء وقال: “يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين”.
إبراهيم عليه السلام يتحدى الأصنام
بيّن النبي إبراهيم لقومه بطلان عبادة الكواكب والنجوم التي تغيب وتزول، وأعلن إيمانه بالله الواحد الأحد الذي خلق السماوات والأرض.
ثمَ توجه إلى قومه الذين يعبدون الأصنام التي ينحتها آباؤهم بأيديهم، فقال لهم بحكمةٍ ورفق: “هل تعبدون ما تنحتون وتصنعون بأيدكم وتتركون عبادة الله الواحد القهار خالقكم وخالق كلّ شيء؟”.
كسر سيدنا إبراهيم عليه السلام للأصنام
أمَّا عن كسر الأصنام فلما رأى إبراهيم عليه السلام أنهم ما زالوا مُتعلقين بأوهامهم ومُتمسكين بعبادة أصنامهم أراد أن يريهم بأعينهم عجز آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، ففي يوم العيد خرج قومه للاحتفال ودخل النبي إبراهيم إلى معبد الأصنام سرًا.
نظر إلى الأصنام التي كان قومه يعبدونها وإلى الطعام الذي وضعوه أمامها، فقال لهم ساخرًا: “ألا تأكلون؟ مالكم لا تتكلمون ولا تتحركون؟” ثم أخذ الفأس وكسّر جميع الأصنام، ولم يترك إلا الصنم الكبير ليكون شاهدًا على ما حدث.
وعندما عاد قومه وشاهدوا ما حدث لأصنامهم غضبوا غضبًا شديدًا وتوعدوا من فعل ذلك بعقاب عظيم، وبدأوا يتساءلون من فعل هذا بآلهتنا ومن تجرأ وكسرها، وعندها قال قومٌ منهم إنهم سمعوا فتى يذكّرهم بترك عبادة الأصنام يُقال له إبراهيم.
لذا أحضروا إبراهيم عليه السلام واستجوبوه، وسألوه هل أنت من فعلت هذا بآلهتنا؟، فأجابهم بحكمة وذكاء مشيرًا إلى الصنم الكبير وقال في سورة الأنبياء: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}، عندها وقف الجميع حائرين لأنهم يعلمون أن الأصنام لا تنطق وأنها لا تنفع ولا تضر، لكنهم عاندوا وتبجحوا وطلبوا نصر الآلهة التي عجزت عن النطق والدفاع عن نفسها.
عندها أعلن إبراهيم عليه السلام الحق صراحة: {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، وكان هذا إعلانًا واضحًا للحرب على الوثنية وعبادة الأصنام.
قذف إبراهيم في النار ونجاته منها
لم تنتهِ قصة النبي إبراهيم للأطفال هنا، حيث لم يحتمل قوم إبراهيم عليه السلام هذا التحدي العلني لأصنامهم ومعتقداتهم الباطلة، فأجمعوا على معاقبته أشد العقاب وقرروا حرقه في نار عظيمة حارقة، وبدأوا يجمعون الحطب أيامًا طويلة حتى أوقدوا نارًا عظيمة، ثم قذفوا إبراهيم عليه السلام فيها بعد أن ربطوه وأوثقوه.
كان المشهد مهيبًا والنار تلتهب وتزداد اشتعالًا والجميع يترقبون، ولكن إبراهيم عليه السلام كان واثقًا بالله مطمئنًا إلى ربه فقال كلمته الخالدة التي علّمته إياها الملائكة: “حسبي الله ونعم الوكيل”.
فأمر الله تعالى النار ألّا تؤذي خليله إبراهيم وقال جلّ وعلا في سورة الأنبياء: {يا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، فأصبحت النار باردةً آمنةً وسلامًا على إبراهيم، وخرج منها سالمًا غانمًا لم يصبه مكروه، وهذا من أعظم المعجزات التي تعلّم الأطفال أن الله على كل شيء قدير وأن التوكل على الله سبب النجاة من كل مكروه.
المناظرة بين سيدنا إبراهيم عليه السلام والنمرود
بعد نجاة النبي إبراهيم من النار واجه عليه السلام تحديًا جديدًا وأكبر، وهو مناظرة الملك الطاغية نمرود الذي كان يدّعي الربوبية ويأمر الناس بعبادته.
جاء نمرود ليجادل إبراهيم عن ربه متكبرًا، فقال له إبراهيم: “ربي الذي يحيي ويميت”، فقال نمرود متعجرفًا: “أنا أحيي وأميت”، مشيرًا إلى قدرته على قتل من يشاء والعفو عمن يشاء.
ولكن إبراهيم عليه السلام كان أذكى وأقوى حجة فقد جاءه بحجة لا يستطيع أن يردّها، فقال له: “فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب”، فبهت نمرود وانقطع ولم يستطع الرد لأن لا أحد يستطيع أن يأتي بالشمس من المغرب سوى الله وحده.
عندما نذكر هذه المناظرة أثناء سرد قصة النبي إبراهيم عليه السلام فإننا نعلّمهم أن الحق أقوى من الباطل، وأن العلم والحكمة يساعدان المؤمن على الدفاع عن عقيدته بأسلوب راقٍ وحجج مقنعة، وأن أكبر الطغاة يَبهتون حين يواجهون الحق.
هجرة النبي إبراهيم من بابل إلى الشام ومصر
وفي استكمال قصة النبي إبراهيم للأطفال فبعد أن كسر إبراهيم عليه السلام الأصنام وأبطل حجة نمرود أمره الله بالهجرة من بابل إلى أرض الشام المباركة، وهاجر معه زوجته سارة وابن أخيه لوط عليه السلام.
وفي طريقه إلى الشام مرّ النبي إبراهيم بمصر وكانت له فيها قصة مشهورة، فقد كان فيها ملكٌ ظالم يأخذ نساء الرجال غصبًا، ولمّا علم ملك مصر بقدوم إبراهيم ومعه امرأة حسنة جميلة، بعث في طلبها ليتزوجها وكان قد أخبره إبراهيم عليه السلام بأنها أخته، فحاول الملك أن يلمس سارة لكنه لم يستطع إذ تحجّرت يداه، فطلب منها أن تدعو الله أن يعيدهما إلى ما كانتا عليه ففعلت، وكرّر فعلته مرّة أخرى فلمّا تحجرت يداه مرة أخرى طلب منها أن تدعو له فدعَت له، فأُطلقت يداه مرة أخرى.
ثم عاد إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين وبعد أن كبرت سارة ولم تنجب، أعطته جاريتها هاجر لتكون زوجة له فأنجبت له إسماعيل عليه السلام، وفيما بعد أنجبت سارة إسحاق عليه السلام وكان كلاهما من أنبياء الله.
وقد أسكن إبراهيم هاجر وابنها إسماعيل في وادٍ غير ذي زرع عند بيت الله الحرام في مكة بأمرٍ من الله تعالى، وهذا كان بداية العمران في مكة وبداية قصة بناء الكعبة المشرفة التي شارك فيها إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام.
الدروس والعبر المستفادة من قصة النبي إبراهيم للأطفال
تحمل قصة النبي إبراهيم للأطفال العديد من الدروس التربوية النافعة، ومن أهم هذه العبر:
- التوحيد أولًا وقبل كل شيء وأن الإيمان بالله وحده هو طريق النجاة.
- الصبر والثبات على الحق مهما كانت الصعاب والمخاطر.
- التوكل على الله والثقة بنصره، ففي أشد لحظات الخطر وهو في النار كان إبراهيم مطمئنًا أن الله لن يخذله.
- الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة.
- الجرأة في قول الحق وأن المؤمن الحق لا يخشى في الله لومة لائم.
- الإيمان بالقضاء والقدر وأن الله يختبر عباده الصابرين.
ختاما
تبقى قصة النبي إبراهيم للأطفال من أعظم القصص القرآنيّة التي تجمع بين التشويق والعبرة، فهي تعلّم الصغار أن التوحيد هو أساس الدين وأن الثقة بالله واليقين به أقوى من النار وأعظم من عروش الجبابرة.
ولتعزيز ارتباط أطفالنا باللغة العربية وقصص الأنبياء بأسلوب ممتع وتفاعلي، يمكن الاستفادة من تطبيق ألف بي أطفال الذي يقدّم محتوى تعليميًا يساعد الأطفال على تنمية مهارات القراءة واللغة العربية بطريقة تناسب أعمارهم، وتجمع بين التعلم والمتعة.



