كيف تؤثر اللغة الأم في شخصية الطفل وثقته بنفسه؟

كيف تؤثر اللغة الأم في شخصية الطفل وثقته بنفسه
جزء من السلسلة
دليل اللغة العربية للأطفال

ما هو دور اللغة الأم في نمو الطفل؟

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها الطفل بسماع الأصوات من حوله تبدأ اللغة الأم في رسم ملامح عالمه الداخلي، فهي ليست مجرد كلمات يتعلم نطقها إنَّما الأساس الذي تتشكل من خلاله أفكاره ومشاعره وطريقته في فهم ذاته والتفاعل مع الآخرين، كما أنَّ اللغة التي ينمو الطفل في كنفها تؤثر بشكل مباشر في بناء شخصيته، وفي مستوى ثقته بنفسه وقدرته على التعبير عن احتياجاته وآرائه بوضوح وثقة.

ومع تزايد الاهتمام بتعليم الأطفال لغات متعددة في سن مبكرة تبرز تساؤلات مهمة حول دور اللُّغة الأُم في الحفاظ على الهوية النفسية والثقافية للطفل، ومدى تأثيرها في نموه العقلي والاجتماعي، وفي هذا المقال سنسلّط الضوء على العلاقة العميقة بين اللُّغة الأُم وشخصية الطفل، ونستعرض تأثيرها على ثقته بنفسه، وأهميتها في ظل التعدد اللغوي مع التركيز على مكانة اللغة العربية كلغة أم تشكّل حجر الأساس في بناء جيل واثق ومتوازن.

ما هي اللغة الأم؟

اللُّغة الأُم أو اللغة الأولى وهي اللغة التي يتعلمها الطفل طبيعيًا منذ الولادة من البيئة الأسرية والمحيط الاجتماعي القريب، وتختلف اللُّغة الأُم عن لغات أخرى يتعلمها الطفل لاحقًا؛ لأنها مرتبطة بالعاطفة وبالتجارب الأولى وبالثقافة التي ينشأ فيها الطفل، ممَّا يجعلها أكثر من مجرد وسيلة محايدة للتواصل، وهي اللغة التي يكوّن بها الطفل مفهومه الأول عن الذات والعالم.

كما أنَّ اللغة الأم ليست بالضرورة لغة رسمية أو لغة تعليمية في المدرسة، ولكنها اللغة التي توفّر للطفل الأمان النفسي، والقدرة على التعبير عن مشاعره بصورة مباشرة وواضحة، ومما لا شكَّ فيه أنَّ التعرّف المبكر للغة الأم يُسهم في تعزيز الإدراك اللغوي، وهو ما يمهّد لاحقًا تعلم لغات أخرى بنجاح.

كيف تؤثر اللغة الأم في شخصية الطفل وثقته بنفسه؟

هناك تأثير للغة الأم على شخصية الطفل وثقته بنفسه لذلك سنفصل في شرح هذا التأثير فيما يأتي:

اللغة الأم وبناء الهوية الشخصية

من أهم الأدوار التي تلعبها اللُّغة الأُم هي تشكيل هوية الطفل الفردية والثقافية، فهي ليست مجرد كلمات تُستخدم إنَّما شبكة من القيم والمفاهيم التي ينظر بها الطفل إلى نفسه وإلى الآخرين، كما تعدُّ اللُّغة الأُم جزءًا لا يتجزَّأ من الشعور بالانتماء إلى الأسرة والمجتمع، ممَّا يعزز شعور الطفل بالثقة والقدرة على التفاعل الاجتماعي بثقة.

وعندما يمتلك الطفل قدرة قوية على التعبير بلغته الأم فإن هذا يقوّي إحساسه بالذات ويمكّنه من التعبير عن مشاعره بصورة واضحة، وهذا ما ينعكس إيجابيًا على ثقته بنفسه، وتربط الدراسات الحديثة كذلك بين قوة اللُّغة الأُم ومهارات التفكير النقدي والتواصل الفعّال، وهذا يعني أن الطفل القوي لغويًا تكون قدرته أعلى على حل المشكلات والتفاعل الإيجابي مع تحديات الحياة.

اللغة الأم والثقة بالنفس

الثقة بالنفس لدى الطفل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرته على التواصل والتعبير، واللُّغة الأُم تُوفّر البيئة الآمنة الأولى للتعبير، فالطفل يشعر بالراحة عند استخدام لغته الأولى في التواصل مع من حوله، مما ينشّط في داخله شعورًا بالتمكين والاستقلالية، كما تؤدي إجادة اللُّغة الأُم إلى تحسين مهارات الحوار والتفكير، وزيادة قدرة الطفل على المشاركة في النشاطات التعليمية والاجتماعية، وتعزيز المهارات الوجدانية والانفعالية للتعامل مع تحديات الحياة الإنسانية والاجتماعية.

ما هو دوراللُّغة الأُم في النمو العقلي والفكري؟

اللُّغة الأُم لا تؤثر فقط في الجانب العاطفي والهوية، بل لها دور حيوي في النمو العقلي والفكري للطفل، ويجب أن نشير إلى أن تطوير اللغة الأم في الطفولة المبكرة يساعد الطفل على عدد من الأمور، وهي كما يأتي:

  • تحسين التفكير والتحليل: استخدام اللُّغة الأُم في المراحل الأولى يفتح الباب أمام التفكير النقدي والقدرة على التعبير عن الأفكار المعقدة.
  • تسهيل اكتساب لغات إضافية: عندما يتقن الطفل لغته الأولى يصبح أسهل بكثير عليه تعلم لغات أخرى لاحقًا؛ لأن بنيته اللغوية الأساسية أصبحت متينة.
  • تعزيز الوظائف التنفيذية للدماغ: تشير دراسات إلى أن الأطفال الذين يستخدمون لغتهم الأم بشكل فعّال يظهرون مهارات أعلى في التحكم الذهني والمرونة المعرفية، وهذا يرتبط أيضًا بتطوير قدرتهم على التحليل والإبداع.

التعدد اللغوي وتأثيره على هوية الطفل

أصبح التعدد اللغوي اليوم جزءًا من واقع كثير من الأطفال ولا سيَّما في المجتمعات المنفتحة أو لدى الأسر التي تحرص على تعليم أبنائها أكثر من لغة منذ سن مبكرة، ويُعدُّ هذا التعدد فرصة معرفية مهمة فهو يسهم في توسيع آفاق الطفل الذهنية وتعزيز قدرته على التفكير المرن والتواصل مع ثقافات مختلفة، والطفل الذي يتعامل مع أكثر من لغة يكتسب مهارات أعلى في التحليل والمقارنة وحل المشكلات، كما يصبح أكثر تقبّلًا للاختلاف والتنوُّع.

وعلى الرغم من ذلك فإن تأثير التعدد اللغوي على هوية الطفل يعتمد بشكل كبير على طريقة تقديم هذه اللغات، فعندما يتم تعزيز اللغات الأجنبية على حساب اللُّغة الأُم ، قد يشعر الطفل بارتباك داخلي أو ضعف في الانتماء، خاصة إذا لم يُمنح المساحة الكافية للتعبير عن ذاته بلغته الأصلية، وفي المقابل عندما تُحافظاللُّغة الأُم على مكانتها الأساسية داخل الأسرة والتعليم المبكر فإن التعدد اللغوي يتحول إلى عامل داعم للهوية وليس مهددًا لها، فاللُّغة الأُم تمنح الطفل جذوره الثقافية والعاطفية، بينما تفتح اللغات الأخرى أمامه أبواب العالم، وبذلك ينمو الطفل بهوية متوازنة تجمع بين الانتماء والانفتاح بثقة ووعي.

ما هي أهمية اللغة العربية كلغة أم؟

تكتسب اللغة العربية أهمية خاصة كلغةٍ أم، فهي حامل للتراث الثقافي والحضاري والديني إضافةً لكونها وسيلة تواصل، وفيما يأتي تفصيل في أهميتها:

  • اللغة العربية تُعبّر عن تراث حضاري غني يمتد لآلاف السنين، وبالتالي تُعد جزءًا من الهوية الثقافية والدينية.
  • الإتقان الجيد للغة العربية يُمكّن الطفل من الوصول إلى مصادر المعرفة الكلاسيكية والمعاصرة على حد سواء، ويزيد من ثقته في قدرته على التعبير والتفكير.
  • اللغة العربية لغة القرآن الكريم فهي تشكل جسرًا بين الطفل وتراثه الروحي والثقافي، ممَّا يعزّز إحساسه بالانتماء العميق.

ختاما

تبقى اللغة الأم الركيزة الأكثر ثباتًا في حياة الطفل، فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاء تتشكل داخله أفكاره الأولى، ومشاعره، وصورته عن نفسه، كما إنَّ دعم الطفل في التمسك بلغته الأم يمنحه شعورًا بالأمان والانتماء، ويعزز ثقته بنفسه وقدرته على التعبير عن ذاته بوضوح واعتزاز، وكلما كانت علاقة الطفل بلغته الأولى قوية كان أكثر استعدادًا لاكتساب لغات أخرى دون أن يفقد هويته أو توازنه النفسي.

ومن هنا تأتي أهمية توفير بيئة تعليمية واعية تراعي احتياجات الطفل اللغوية منذ الصغر، وتقدّم اللغة العربية بأسلوب محبّب يتناسب مع عالمه وفضوله، وهذا ما يسعى إليه تطبيق ألف بي أطفال من خلال تقديم محتوى تعليمي تفاعلي يساعد الأطفال على تعلم اللغة العربية بطريقة ممتعة، ويعزز ارتباطهم بلغتهم الأم لتكون مصدر قوة لهم في بناء شخصيتهم اليوم وفي المستقبل.

إذا وجدت هذه المقالة مفيدة، يرجى مشاركتها مع أصدقائك لنشر المعرفة!
Facebook
LinkedIn
Telegram
X
مقالات أخرى